ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
124
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
صاحب غنم والآخر صاحب حرث ، فقال أحدهما : إن هذا دخلت غنمه في الليل إلى حرثي فأهلكته وأكلته ، ولم يبق لي فيه شيئا . فقال داود عليه السّلام : الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه ، فلما خرجا من عنده مرّا على سليمان عليه السّلام - وكان عمره في ذلك الوقت على ما نقله بعض أئمة التفسير إحدى عشرة سنة - فقال : ما حكم بينكما الملك ؟ فذكرا له ذلك ، فقال : غير هذا أرفق بالفريقين ، فعادا إلى داود عليه السّلام وقالا له ما قاله ولده سليمان ، فدعاه داود وقال له : ما هو الأرفق بالفريقين ؟ فقال سليمان عليه السّلام : تسلم الغنم إلى صاحب الحرث ، وكان الحرث كرما قد تدلّت عنا قيده في قول أكثر المفسرين ، ويأخذ صاحب الكرم الأغنام ويأخذ لبنها وينتفع بدرها ونسلها ويسلم الكرم إلى صاحب الأغنام ليقوم به ، فإذا عاد الكرم إلى هيئته وصورته التي كانت ليلة دخلت الغنم إليه سلم صاحب الكرم الغنم إلى صاحبها ويتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته ، فقال له داود عليه السّلام : القضاء كما قلت ، وحكم بما قال سليمان عليه السّلام . وفي هذه القصة نزل قوله ( تعالى ) : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ « 1 » فهذه المعرفة والدراية لم تحصل لسليمان عليه السّلام بكثرة التجربة وطول المدة بل حصلت بعناية ربانية وألطاف إلهية ، وإذا قذف اللّه ( تعالى ) شيئا من أنوار مواهبه في قلب من يشاء من خلقه اهتدى إلى مواقع الصواب ورجح على ذوي التجارب في كثير من الأسباب ، ويستدل على حصول كمال العقل في الرجل بما يوجد منه وما يصدر عنه ، فإن العقل معنى لا يمكن مشاهدة فإن المشاهدة من خصائص الأجسام ، فأقول : يستدل على عقل الرجل بأمور متعددة منها : ميله إلى محاسن الأخلاق ، وإعراضه عن رذائل الأعمال ، ورغبته في إسداء صنائع المعروف ، وتجنبه ما يكسبه عارا ويورثه سوء السمعة . وقد قيل لبعض الحكماء : بم يعرف عقل الرجل ؟ فقال : بقلة سقطه في كلامه وكثرة إصابته فيه . فقيل له : فإن كان غائبا ؟ فقال : بإحدى ثلاثة ، إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته ، فإن رسوله قائم مقام نفسه ، وكتابه يصف نطق لسانه وهديته عنوان همته ، فبقدر ما يكون فيها من نقص فيحكم به على صاحبه . وقيل : من أكبر الأشياء شهادة على عقل الرجل حسن مداراته للناس ، ويكفي أن حسن المداراة يشهد لصاحبه بحسن توفيق اللّه ( تعالى ) إياه ، فإنه روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه
--> ( 1 ) - الأنبياء : 78 .